أين يقف الفن بين الحرية والأخلاق؟

أنوار
أنوارتأمّلات في الحياة والإنسان٤‏/٤‏/٢٠٢٦7 دقائق قراءة

للتنويه، أنا في هذه التدوينة أفكّر بصوتٍ عال، دعوة للتأمّل والفِهم، وليس لتقديم حكمٍ قاطع.

”هل للفن معيار أخلاقي؟ وهل يحق لنا الحكم على الفن من منظور أخلاقي، أم أن الفن حُر فيما يقوله؟“

تصادفني هذه التساؤلات من وقتٍ لآخر في قراءتي للروايات، ومؤخرًا رواية البُطء لكونديرا، الكاتب الذي أجّلت القراءة له لاعتراضي على أفكاره التي يمررها في كتبه، فبحسب اطلاعي السريع على مراجعات رواياته عرفت أنه يجعل الجنس موضوعه الرئيس، ويمرر كل أفكاره ومواضيعه عبرها، لكني قررت التجربة وقرأتها قبل ٤ أشهر لتؤكّد الرواية فكرتي عنه، فعلى الرغم من إعجابي بروايته وطريقته في تناول فكرة البُطء والسرعة، إلا أني ضدّه في تمرير هذه الفكرة عبر الجنس وبطريقة مقرفة لم أستسِغها، مما جعلني أفكر في التراجع عن فكرة القراءة له مرةً أخرى، وأنا هنا أصبحت أمام متضادين ”هل يمكن أن يكون العمل الفني جميلًا، وبنفس الوقت خاطئًا؟“ أفكاره منحرفة وغير سوية، لكني بنفس الوقت أُعجبت بجمال وذكاء عرضه لتأثير السرعة والبُطء على حياتنا اليوم، وقيّمت العمل بثلاث نجمات. سؤالي الثاني ”هل في إعجابنا بالعمل الفني، يهمّنا ما يقوله، أم يكفينا ما نشعر به؟“.

الفن كحرية..

نعود للوراء قليلًا، قبل الحكم على العمل الفنّي، هل العمل الفني أصلًا حُر، أم أنه مُلزم بأخلاقيات تفرض عليه قيود معينة؟ وهل وظيفته إيصال رسالة أخلاقية، أم أن ”التعبير“ هي وظيفته الأساسية حصرًا، فإذا جمع بين التعبير والرسالة الأخلاقية فهو هنا محل تقديرٍ أكبر؟

فاصل: صادفني أحدهم على تويتر ينتقد عملًا دراميًا، فردّ عليه آخر ”لا يلزم الفن أن يقدّم رسالة، يكفي أن يُضحك“ وأنا أصبحت أتفق مع هذا -لأني لم أكن-، لا يجب أن يقدم العمل رسالة أخلاقية، يكفي أن يكون جميلًا ويُحدث شيئًا في النفس = أي يجب أن يكون ذا معنى، رغم أني أراه في أصله يقدم رسالةً أخلاقية، ما دام هناك قيَم، فحتى إن لم يضع هذا كشرطٍ في الإعداد، هو يذهب إليه بشكلٍ أو بآخر، مع ضرورة إلزام العمل بأخلاقيات ومعايير، حتى وإن كان كوميديًا، فهذا لا يُجيز له أن يكون متجاوزًا لأدبٍ أو خُلق، باعتبار أن الدراما فن يشاهده الكل تقريبًا. أتوقف هنا فيما يخص الأعمال الدرامية لأنها ليست موضوعي، والحديث فيها بحاجة لإسهابٍ وتفصيل، لكني ذكرته كمثال.

أعود لموضوعي، قرأت بالأمس نصًا لإحدى الزميلات تناقش فيه ذات الفكرة فيما يخص الأدب ”الأعمال الروائية تحديدًا“ = (كيف يُرشَّح عملًا روائيًا ليكون ضمن النخبة وهو يعرض قضيةً أخلاقية تُخالف الفطرة الإنسانية السوية؟) وفي نفس الوقت تسأل نفسها (لمَ نحاكم العمل الأدبي وهو غير ملزم بتقديم درسٍ أخلاقي؟ هذه ليست وظيفته، إن ما يقدمه الأدب هو نحن، هذا الخلل موجود في النفس البشرية) ولكن، هل يحق للإنسان كتابة كل ما يفكر به بدافع الشفافية والصدق؟ كلنا لدينا تناقضات وأفكار قد تبدو متطرفة، لكن كتابتها فيه انتهاك لخصوصية الإنسان وكشف لعورته، بالتالي هذا يعرّضه لمظنّة السوء، وهنا نحن أمام معضلة أخلاقية أخرى، الفن حُر فيما يقدّمه، لكن هل هذه الحرية تمنحه صلاحية الفُحش والخطأ والانحراف، أم أن المسؤولية هنا تقع على القارئ؟ هو من يحدد ما سيقرأ وكيف يتلقّى ما يقرؤه، بحكم أننا لا نملك سُلطةً على الكاتب، ولو تحدثنا عن المجتمعات الغربية، فهم يشكون انهيار المنظومة الأخلاقية، لا مرجعية واضحة يستندون إليها، ومع هذا قد تُحاكَم بعض الأعمال بكونها مُحرّضة على الانحراف، أما في مجتمعنا الإسلامي، فنحن حتمًا ملزمون بمعايير أخلاقية يفرضها المرجع الديني والمجتمعي، وأنا لا إشكال لدي طبعًا في طرح مشكلةٍ ومناقشتها، لكن على أن يكون ضمن كتبٍ علمية، تطرح المشكلة مع دراستها وحلّها، لا طرحٍ أدبي فضفاض يقدَّم في موضِع حياد لا دراسة، ”حكاية“ وللحكاية كما نعلم قوة ناعمة في الإقناع والتغيير.

وهنا أتساءل أيضًا، هل الفنان مسؤول عن الأثر الذي يُحدثه فنّه، أم أن هذه مسؤولية المتلقّي؟ فعلى الطاولة الكثير، السيئ والجيّد، ونحن مَن سيختار، وبالتالي نحن المُحاسبون عن هذا التأثر؟. الأدب مسؤول عن طرح القضايا الإنسانية وسبر أغوار النفس البشرية وفهمها، والتعرّف على المجتمعات وغيره، إذن هذا الخلل موجود في تكويننا، وبالتالي هو حقيقة في بعض المجتمعات، هناك مجتمعات منظمة، وأخرى تعمّها الفوضى، لمَ نأخذ ونقدّم الحسن فقط ونتجاهل السيئ؟ وهذا يعيدني لنقاش طرحه أحدهم حين اعترضت على فكرةٍ لأحد الكتّاب في إحدى رواياته، يقول رأيه ”يجب طرح الحقائق كما هي، فما دامت موجودة في مجتمعٍ ما، طرحها هنا يدخل ضمن أمانة الكاتب والتزامه بالحقيقة، وإخفاء حقيقة ما يعني تزويرها عن الأجيال القادم“ لا أكذب أني اقتنعت نوعًا ما بما قاله، وارتحل معي كلامه هذا وقتًا طويلًا أفكر به وأقلّبه وأتأمّله، إذن هنا تأتي مسؤولية الكاتب في طرح الحقائق كما هي، لكن من ناحيةٍ أخرى لديه مسؤولية كيفية طرحها، أن يطرحها بذكاء واحترام دون ابتذال، مُراعيًا في هذا المُتلقي والمجتمع الذي يكتب له، فما هو مقبول عند مجتمع، غير مقبول عند آخر، ثم إن القارئ ذكي، ويكفيه التلميح لا التصريح المباشر الفجّ، وعلى المتلقي مسؤولية الوعي في تقبّل هذه الحقيقة.

وصادفني رأيًا آخر يعترض فيها قارئ على إحدى الروايات لكمّ الوقاحة بها، فردّ عليه أحد القرّاء ”الكاتب عاش في بيئةٍ سيئة، فكيف له أن يكتب الجمال وهو لم يعشه؟“ وهذه معضلة أخرى، باعتبار أن الإنسان ابن بيئته، هل يستطيع الكاتب كتابة شيء لم يعشه، وهل يحق لنا لومه على سوء أدبه وقُبح عمله في حين أنه عاش حياةً سيئة؟ هي نتيجة إذن.

طيب.. لو قررت أن العمل الفني مُلزم بمعايير أخلاقية، فمن الذي يضع هذه المعايير؟ من ناحية مرجعية مطلقة، ديننا الإسلامي وما يفرضه علينا من أخلاقيات وقيَم، ولكن من ناحية عادات وتقاليد فالمعايير متغيرة، فما كان محرّمًا بالماضي، هو مُجاز ومباح اليوم، وإن لم يكن بشكلٍ كامل، فهو عند الغالبية مقبول، لذا للزمن حكمه وسُلطته وهيمنته.

هذا يجعلني بين نقيضَين، الفن يحتاج للحُرية، ولكن بالمقابل هذه الحرية تحتاج إلى ضبط، لأنها دون وعي قد تكون مؤذية، فلا حرية مطلقة، وعلى الإنسان مراعاة المجتمع حوله واختلاف خلفياته الثقافية، فهو لا يعيش وحده، هناك مُتلقٍ، وهو يكتب لهذا المُتلقي، إذن، عليه مراعاته واحترامه، والأمر يختلف في حال كنت تقدّم مؤلَّفًا في كتاب، أو في فضائك الخاص ضمن حساب على منصةٍ ما يتابعك فيها عدد محدود، في الكتاب مسؤوليتك أكبر ووعيك يجب أن يكون حاضرًا، لأنك أمام جمهورٍ كبير، يثقون فيك باعتبار مكانتك ككاتب ومؤلّف، أمّا في المنصات فهي تعتبر فضفضة وتأملات في دائرةٍ خاصة وضيّقة، المرونة فيها أكبر.

كما أن ما أراه أنا مقبولًا يراه غيري تجاوزًا، في هذا أتذكر رأيًا لإحدى القارئات في رواية ”الأشجار واغتيال مرزوق“ = (تمنيت لو لم تكن الرواية إباحية) عليه، انتظرت أنا حتى أختم الرواية لأصل للجزئية التي أشارت لها، فلم أجدها، أي نعم كان هناك بعض التجاوزات التي لم أقبلها، لكنه لا يتعدى كونه غزلًا فاحشًا، وهو جزء في الرواية وليس كل، بهذا لا يدفع القارئ للحكم على الرواية كاملةً بالإباحية، في المقابل أيضًا، ما أراه أنا محرّمًا وخادشًا للحياء، هو عند غيري مباح، والإنسان كلما عاش وكبر ونضج تكوّنت رؤيته أكثر ونضجت قيَمه، ثم استطاع الحكم والفصل.

في النهاية هناك نقطة واضحة يلتقي عندها المقبول والمرفوض، لا يختلف عليها اثنان، نقطة يُحكَم عندها على الخطأ أنه خطأ، والصحيح أنه صحيح، وهذا تُبصره النفس البشرية السوية، وقد يقبل البعض الخطأ رغم علمه بأنه خطأً، من منطلق اتفاقه مع جمالية الفكرة، أو لأنه يقرأ العمل الأدبي بمعزلٍ عن الأخلاق.

نهايةً، هي هنا مجرد وجهات نظر، حاكمها الأول الدين وبالتالي خُلق الإنسان وقيَمه، والساحة حتمًا يوجد بها من كل لونٍ وشكل، أنا كقارئ سأختار ما يناسبني، وبالمقابل لدي الحق في انتقاد ورفض ما لا يناسبني، فالعمل لا يأتي قطعةً واحدة، قد أجد فيما يُعجبني جزءًا يستفزني، والحرية يتبعها مسؤولية ورقابة.

أختم بما قالته الصديقة الكاتبة آلاء عبدالرحمن «الأدب في النهاية ليس درسًا أخلاقيًا، هو مساحة اختبار، أحيانًا يختبر حدود اللغة، وأحيانًا حدود الأخلاق، وأحيانًا حدود قدرتنا نحن على مواجهة الإنسان كما هو، لا كما نحب أن يكون»

الوسوم:

أنوار

أنوار

تأمّلات في الحياة والإنسان

تأمّلات في الحياة والإنسان

  • 4 تدوينة
  • يكتب منذ أكتوبر 2026
جاري تحميل التعليقات...